الراوي الذي لا تصدّقه — فنّ الراوي غير الموثوق

ماذا لو كان من يحكي لك القصة كذّاباً أو مخدوعاً أو يبرّر لنفسه؟ فنّ الراوي غير الموثوق من هادي العتّاك إلى مصطفى سعيد — ولماذا هذه الحيلة الأدبية أهمّ مهارة لقراءة عصرنا.

ماذا لو كان الشخص الوحيد الذي يحكي لك القصة… كذّاباً؟ أو مجنوناً؟ أو صادقاً لكنّه لا يفهم ما يراه؟ هذه واحدة من أمتع حيل الأدب وأخطرها: الراوي غير الموثوق (Unreliable Narrator) — سارد يجبرك على قراءة مزدوجة: ما يقوله، وما تلمّحه الشقوق في كلامه. النتيجة: أنت لم تعد قارئاً — صرت محقّقاً.


أنواع الراوي غير الموثوق

  • الكذّاب المحترف: يعرف الحقيقة ويزيّفها لمصلحته — راوي الاعترافات الذي يجمّل جرائمه.
  • المخدوع الصادق: يقول ما يظنّه صدقاً وهو لا يفهم ما جرى — طفل يروي حرباً، عاشق يروي خيانة لم يرها.
  • المضطرب: ذاكرته أو عقله يخونانه — وأنت تكتشف ذلك قبل أن يعترف به.
  • المبرّر: أخطر الأنواع وأكثرها واقعية — لا يكذب في الوقائع بل في تفسيرها، ليظلّ بطلاً في قصته.

أمثلة من مكتبتنا

هادي العتّاك — فرانكشتاين في بغداد

أذكى استخدام عربي حديث للحيلة: أحمد سعداوي يجعل مصدر الحكاية الخارقة كذّاب المقهى المحترف — رجل معروف بتزيين حكاياته كلّ ليلة. فحين يروي أصدق ما رآه (نهوض الجثة)، لا يصدّقه أحد. ثم يضيف سعداوي طبقات: تقارير دائرة حكومية، وتسجيل صوتي للمسخ نفسه، وكاتب يجمع كلّ ذلك — أربع روايات متضاربة لحقيقة واحدة. البنية نفسها هي المعنى: بلد يعيش أهله الحدث نفسه ويستحيل أن يتّفقوا على روايته.

مصطفى سعيد — موسم الهجرة إلى الشمال

اعترافات ليلية من رجل قضى حياته يمثّل أدواراً: هل نصدّق نسخته عن غزواته في لندن؟ الطيب صالح يضيف مرآة ثانية: الراوي الذي ينقل لنا كلام مصطفى مفتونٌ به ومهدَّد منه — فتصلنا القصة عبر وسيطين مشوّشين. ولهذا تحتمل الرواية كلّ هذه القراءات المتناقضة منذ ستين عاماً.

محمود عبد الظاهر — واحة الغروب

بهاء طاهر يوزّع السرد على رواة يتناوبون (محمود، كاثرين، الشيخ يحيى…) — وكلّ راوٍ يعيد تفسير الأحداث لصالحه. لا أحد يكذب تماماً، ولا أحد يُرى بعين محايدة: الزواج نفسه «ملاذ» في فصل و«مشروع خائب» في الفصل التالي. تعدّد الرواة هنا هو الشكل الأدبي لفكرة الرواية: التاريخ نفسه شهادة منحازة كتبها الناجون.

لماذا نحبّ من يكذب علينا؟

لأنّ الحيلة تحاكي الحياة: لا أحد يصلنا «موضوعياً» — كلّ من حولنا يروي نفسه بطلاً، ونحن أيضاً. الراوي غير الموثوق تدريب على أخطر مهارات العصر: سماع القصة والسؤال عمّن يرويها ولماذا — مهارة تحتاجها أمام نشرة الأخبار بقدر ما تحتاجها أمام الرواية.


كيف تكشفه وأنت تقرأ؟

  • راقب الفجوات: ما الذي يقفز الراوي فوقه سريعاً؟ هناك يسكن المدفون.
  • قارن القول بالفعل: حين يصف نفسه كريماً وتراه بخيلاً في التفاصيل — صدّق التفاصيل.
  • انتبه للإلحاح: ما يكرّر الراوي نفيه أو تبريره هو غالباً ما يحاول دفنه.
  • اسأل السؤال الذهبي: لو روى الطرف الآخر هذه القصة، ماذا سيتغيّر؟

التمرين: أعد قراءة فصل من رواية تحبّها بافتراض واحد جديد — الراوي يجمّل نفسه — وسجّل ما ينكشف. ثم التمرين الأصعب: احكِ لنفسك خلافاً قديماً خضته… من وجهة نظر خصمك. ستكتشف أنّ في داخلك أيضاً راوياً غير موثوق — وأنّ إدراك ذلك بداية كلّ حكمة.

Scroll to Top