حين تُخبر شخصاً تَقرأ الروايات، يَنظر إليك أحياناً كأنّك تُضيّع وقتك. «اِقرأ شيئاً مفيداً، كتاب علم» يقول لك. الحقيقة العلمية مُختلفة تماماً. قراءة الرواية رياضة دماغية تُغيّر بنية دماغك — وأبحاث الـ 20 سنة الأخيرة تُثبت ذلك بشكل قاطع.
تجربة كيد وكاستانو 2013
في أكتوبر 2013، نَشَر ديفيد كومر كيد وإيمانويل كاستانو — باحثا علم نفس في The New School بنيويورك — دراسة في مجلّة Science غَيّرت فَهمنا للقراءة. التجربة: قَسّموا المشاركين إلى 4 مجموعات. مجموعة قرأت أدباً جادّاً (تشيخوف، دو موريير). مجموعة قرأت أدباً شعبياً (روايات مَطار). مجموعة قرأت أدباً غير قصصي (مقالات علمية). مجموعة لم تَقرأ شيئاً.
ثمّ خَضع الجميع لـ اختبار «العقل في عيون» (Reading the Mind in the Eyes Test) — يُقيس قدرتك على تَخمين المشاعر من تَعبيرات الوجه. النتيجة كانت مذهلة: قُرّاء الأدب الجادّ سَجّلوا أعلى الدرجات بفارق كبير. قُرّاء الأدب الشعبي والأدب غير القصصي ولا قارئ — حصلوا على درجات متشابهة منخفضة.
الميكانيكية: نظرية العقل (Theory of Mind)
الباحثون يُسمّون هذه القدرة «نظرية العقل» — قدرتك على تَخيّل ما يَدور في عقول الآخرين. هذه القدرة هي أساس الذكاء الاجتماعي. الأدب الجادّ يُمَرّن هذه العضلة باستمرار. حين تَقرأ راسكولنيكوف وهو يُفكّر في الجريمة، أنتَ تَدخل في عقله. تَتعلّم كيف يُفكّر إنسان مختلف عنك. مع كل رواية، تَتدرّب أكثر.
دراسة Mar 2006
قبل كيد وكاستانو، نَشَر ريموند مار من جامعة يورك دراسة 2006 وَجَدت أنّ قُرّاء الروايات لديهم قدرات تعاطف أعلى بنسبة 21% مقارنة بغير القُرّاء. مار كرّر الدراسة سنة 2009 على 252 شخصاً — النتيجة نفسها. الرواية تُعلّمك التعاطف بدون أن تَدرس فيها يوماً واحداً في مدرسة.
الفرق بين الأدب الجادّ والشعبي
هذه نقطة مُهمّة. ليست كل رواية تُحقّق هذه الفائدة. الأدب الشعبي (الرومانسي السطحي، الحركي السريع) يُعطيك شخصيات نمطية — البطل الجيّد، الشرير الواضح. لا تَحتاج فيها للتفكير. الأدب الجادّ يُعطيك شخصيات غامضة، متناقضة، حقيقية. تَضطرّ للتفكير: لماذا فَعَل هذا؟ ماذا يَشعر؟ هل هو محقّ؟. هذا التفكير هو الذي يُمَرّن دماغك.
أدلّة عصبية مباشرة
الـ MRI لقُرّاء الروايات يَكشف أنّ مَناطق الدماغ المُرتبطة بـ التعاطف والتَفكير الاجتماعي (Default Mode Network، Medial Prefrontal Cortex) تَنشط بقوّة أثناء القراءة. الباحث كيث أوتلي من جامعة تورنتو يقول: «حين تَقرأ رواية، دماغك لا يَعرف الفرق بين تجربتك الحقيقية وتجربة الشخصية. كأنّك تَعيش حياة الشخصية فعلاً».
التطبيق العملي
- اقرأ رواية أدبية كل شهرَين — ليس رواية مَطار. اقرأ تشيخوف، دوستويفسكي، نجيب محفوظ، أحلام مستغانمي.
- توقّف بعد كل فصل وفَكّر: ما الذي يُحفّز هذه الشخصية؟.
- ناقش الكتاب مع شخص آخر — هذا يُضاعف الفائدة. كل قارئ يَرى الشخصية بطريقة مختلفة.
المرّة القادمة التي يقول لك أحدهم «اِقرأ شيئاً مفيداً»، اعرف الردّ: لا شيء أفيد من رواية جيّدة. هي تَجعلك إنساناً أفضل بطريقة لا يَفعلها أيّ كتاب علمي.