علاقة الكاتب بشخصياته — لغز الخلق الأدبي

قال فلوبير عن إيما بوفاري: «أنا هي». من أين تَأتي شخصيات الروائيّين؟ هل يَخترعها الكاتب أم تَأتي إليه؟ تأمّل في أعمق سؤال أدبي.

في 1856، سُئل غوستاف فلوبير من أين أَتى بشخصية إيما بوفاري — الزوجة الفرنسية التي تَنتحر بعد سلسلة خيانات. أجاب بإحدى أَشهر إجابات تاريخ الأدب: «مدام بوفاري — أنا!» (Madame Bovary, c’est moi). فلوبير الذكر، البدين، العَزَب، يقول إنّه هو إيما بوفاري الجميلة الشابّة. ما الذي يقصده؟ هذا السؤال يَفتح أعمق لغز في الأدب.


3 نظريات في خلق الشخصية

1. الشخصيات مُجزَّأة من الكاتب

كل شخصية تَكتبها هي جانب من جوانب نفسك. فلوبير في إيما بوفاري — يَصف شَوقه هو للحياة الأَكبر، إحباطاته، أحلامه السرّية. دوستويفسكي اعترف بأنّه كَتب راسكولنيكوف من خَوفه الشخصي من الجريمة. كَتب الأمير ميشكين من حُلمه أن يَكون نقيّاً. كل شخصية صدقتها — لأنّها قطعة منه.

هذه النظرية تَفسّر لماذا الكاتب يَستطيع كتابة شخصيات شريرة جداً. إذا لم تَستطع تَخيّل القتل، لا يُمكنك كتابة قاتل. ما يَخاف الكاتب أن يَفعله، يَجعل شخصياته تَفعله نيابةً عنه. الأدب طريقة لـ التَجريب الآمِن للحياة.

2. الشخصيات تَأتي من خارج الكاتب

كثير من الكتّاب يقولون إنّ شخصياتهم «تَأتي إليهم». غارسيا ماركيز قال إنّ شخصية أوريليانو بوينديا «ظَهرت كاملة» في رأسه. لم يَخترعها — رآها، ثمّ كَتبها. كافكا قال إنّ غريغور سامسا في «التَحوّل» أَتى إليه في كابوس واحد، ثمّ سَيطر على حياة كافكا حتى أَنهى الرواية.

هذه النظرية صوفية تقريباً. الكاتب أَداة، لا خالق. الشخصيات أَرواح تَحتاج لـ أن تُحكى، فتُختار شخصاً لـ ينقلها. هذا يُفسّر لماذا الكتّاب يقولون إنّ شخصياتهم «تَتمرّد» أحياناً، تَفعل ما لم يُخطّط لها الكاتب.

3. الشخصيات مَلاحظة + خيال

النظرية الواقعية. الكاتب يُلاحظ الناس، ثمّ يُركّب شخصياته من قطع متعدّدة. نجيب محفوظ قال إنّ السيد أحمد عبد الجواد في «الثلاثية» كان مُركّباً من 5 رجال عَرَفهم في طفولته. لا أحد منهم بمفرده، لكنّ السيد أحمد يَختصرهم جميعاً. تولستوي قال إنّ بيير بيزوخوف في «الحرب والسلام» 70% منه شخصياً + 30% من صديقه.

هذه النظرية تَتطلّب من الكاتب أن يَكون مُلاحِظاً عظيماً. أن يَستمع. أن يَنظر. أن يَلاحظ كيف يَمشي الناس، كيف يَكذبون، كيف يُحبّون. ثمّ يَعيد التَركيب.


متى تَتمرّد الشخصية على كاتبها؟

أَغرب ظاهرة في الكتابة. كثير من الكتّاب يَشتكون منها. تَخطّط لـ شخصية أن تَموت في الفصل العاشر — تَأبى. تَخطّط لها أن تَفعل شيئاً — تَفعل العكس. إيزابيل أليندي قالت إنّ شخصية ألبا في «بيت الأرواح» رَفَضت أن تَتزوّج الشخص الذي خَطّطت له، فاضطُرّت أليندي لإعادة كتابة 3 فصول.

التَفسير العصبي: كلّما كَتبتَ شخصية أكثر، تَبني نموذجاً عقلياً متماسكاً لها. هذا النموذج يَكتسب حياته الخاصّة. حين تُحاول إجباره على فعل شيء غير منطقي للشخصية، يُقاوم. الكاتب الجيّد يَستمع لهذه المُقاوَمة. الكاتب السيّئ يَفرض إرادته — والنتيجة شخصية ميّتة.

متى تَنجح الشخصية ومتى تَفشل؟

الشخصية الناجحة تَتميّز بـ 3 صفات:

  • التَناقض الداخلي: الإنسان الحقيقي يَتناقض. شَجاع وجَبان معاً، كَريم وشَحيح معاً. الشخصيات الورقية لا تَتناقض.
  • الحُلم السرّي: كل شخصية ناجحة لديها حُلم لا يَعرفه أحد. هذا الحُلم يُحرّكها لاشعورياً.
  • الكَذِب الصادق: كل شخصية تَكذب على نفسها بشيء. اِكتشف هذا الكَذِب، ستَكتشف عمق الشخصية.

الشخصية الفاشلة مُسطَّحة. لا تَتناقض، لا تُحلم، لا تَكذب على نفسها. تَفعل ما يُريده الكاتب، لا ما تُريده هي. القارئ يَشعر أنّها مَصنوعة، لا حقيقية.


التَوصية للكاتب

  • اِكتب سيرة ذاتية كاملة لكل شخصية — حتى لو لم تَستخدم 80% منها. الطفولة، الأبوان، أوّل خَيبة حُبّ، أَكبر خوف.
  • اِسأل شخصيتك أسئلة: ماذا تَخاف؟ ماذا تُريد؟ ما الذي لا تَستطيع أن تَقوله لأمّك؟ اكتب الإجابات.
  • اِسمع لها حين تَتمرّد. لا تَفرض الخطّة الأصلية. الشخصيات الحيّة تَهرب من خطط الكاتب.

التَوصية للقارئ

المرّة القادمة التي تَقرأ فيها رواية، اِسأل: هل هذه الشخصية حقيقية؟. اِبحث عن التَناقضات. عن الأَحلام السرّية. عن الكَذِب الذي تَكذبه على نفسها. الشخصيات الناجحة تَبقى معك سنوات. السيد أحمد عبد الجواد ما زال حيّاً في عقول قُرّاء «الثلاثية» بعد 70 سنة. هذا هو سحر الأدب — أن تُولَد شخصيات ورقية، تَعيش في عقول الناس أَكثر ممّا يَعيش بعض الأحياء.

قال وليام فوكنر: «أَفضل شخصياتي تُعلّمني أَشياء عن نفسي لم أَكن أعرفها». هذا هو الفنّ الحقيقي — لا الكاتب يَخلق الشخصيات، بل الشخصيات تَكشف الكاتب.

Scroll to Top