«اختفى وليد مسعود — فبدأ كلٌّ منّا يخترع وليدَه الذي يشبهه هو.»
📋 بطاقة الكتاب
| الخاصية | التفاصيل |
|---|---|
| النوع | رواية أصوات / أدب فلسطيني حديث |
| سنة الإصدار | 1978 |
| التقييم | ⭐ 4.0/5 |
| الناشر | دار الآداب، بيروت |
| الصفحات | 432 صفحة |
| اللغة الأصلية | العربية |
سيارةٌ فارغة على طريق بغداد الصحراوي، وشريطُ تسجيلٍ في داخلها: مونولوجٌ محموم مبتور — هذا كلّ ما تركه وليد مسعود.
المثقف الفلسطيني اللامع، المصرفيّ المفكّر، عاشقُ النساء وصديقُ الجميع — تبخّر بلا جثة ولا رسالة ولا وجهة.
فيجتمع أصدقاؤه — مثقفو بغداد وعشيقاتُه وخصومُه — يعيدون تركيبه شهادةً شهادة: وكلّ شاهدٍ يرسم وليداً مختلفاً... يشبه الشاهدَ أكثر ممّا يشبه الغائب.
💡 جوهر الكتاب
«البحث عن وليد مسعود» (1978) هي ذروة مشروع جبرا إبراهيم جبرا الروائي — والرواية التي تتصدّر كلّ قوائم «أفضل مئة رواية عربية»: عملٌ بوليفونيّ سابقٌ لموضته، بناه أعظمُ مترجمي العربية (شكسبير وفوكنر!) بأدوات الحداثة التي كان ينقلها — ثم صبّ فيها سؤالَه الشخصي الحارق: من يملك سيرةَ الفلسطيني؟
البنية لغزٌ بلا محقّق: يختفي وليد مسعود — الفلسطيني الأربعيني الذي صنع في بغداد حضوراً أسطورياً (مصرفيّ ناجح، مفكّر، كاتب، عاشق) — تاركاً شريطَ تسجيلٍ هذيانيّ يفتتح الرواية: تداعٍ حرّ يخلط طفولةَ القدس بنساء بغداد بدمِ ابنه الفدائي الشهيد. ثم تتوالى الفصول: كلُّ فصلٍ شاهدٌ يروي «وليدَه» — الصديق المثقف يرى فيه العبقريَّ الممزّق، والعاشقة ترى الجسدَ والوعد، والأخرى ترى الجرحَ المستغلِق، والخصم يرى الأداءَ المتقن. ومع كلّ شهادة يزداد وليد وضوحاً... وغموضاً: تتراكم المرايا ولا يكتمل الوجه. وخلف اللغز الفردي يقف اللغز الأكبر الذي عاشه جبرا نفسه: الفلسطيني بعد النكبة — الحاضرُ في كلّ العواصم، الغائبُ عن أرضه — الذي يرويه الجميع ولا يُترك ليروي نفسه. فهل اختفى وليد هرباً؟ انتحاراً؟ أم التحاقاً أخيراً بالبندقية التي أخذت ابنه؟ الرواية تمنحك الشهاداتِ كلَّها — وتحرمك اليقين: كالقضية تماماً.
الشخصيات الرئيسية
- وليد مسعود: الغائب الحاضر — أكمل تجسيد روائي للمثقف الفلسطيني في المنفى
- نجاحُه الباهر قشرةٌ فوق ثقبٍ اسمه فلسطين: كلّ نسائه وأمواله وكتبه «تعويضاتٌ» يعرف زيفها — وشريطه الافتتاحي اعترافُه الوحيد الصادق
- جواد حسني: الصديق الجامع للشهادات — راوي الإطار
- مثقفٌ عراقيّ يحاول ترتيب الفوضى في كتاب: مرآة جبرا الساخرة من مشروعه نفسه — هل يُجمَع إنسانٌ من شهادات؟
- نساء الرواية (وصال، مريم، وسواهما): شاهداتٌ لا هوامش
- جبرا يمنحهنّ فصولاً كاملة بأصواتهنّ — عشيقاتُ وليد يروين أعمقَ ما فيه: الرجل الذي يهرب إلى الأجساد من ذاكرةٍ لا تُحتمل
- مروان (الابن الشهيد): الغائب الثاني — والمفتاح
- الفدائيّ الذي سبق أباه إلى الاختفاء الأكبر: موتُه هو الشرخ الذي يقرأ به كثيرون قرارَ وليد الأخير
✅ «البحث عن وليد مسعود» ليست لغزَ اختفاءٍ — إنّها أطروحة جبرا الكبرى: الفلسطيني قصةٌ يتنازعها الرواةُ جميعاً إلا صاحبها — والبحث عن وليد هو بحثُ جيلٍ كامل عن سيرةٍ تخصّه ولا يرويها عنه أحد.
🎯 لمين الكتاب ده؟
- قرّاء «الصخب والعنف»: هنا يكتمل المشهد: مترجمُ فوكنر يبني بأدواته روايةً عربية خالصة — تعدّد الأصوات حول غائبٍ واحد، بدل كادي: وليد.
- من أحبّ «المتشائل» و«رجال في الشمس»: الضلع الثالث للرواية الفلسطينية الكبرى: كنفاني كتب المسحوقين، وحبيبي كتب الباقين — وجبرا كتب النخبةَ المنفية اللامعة الممزّقة.
- محبّو ألغاز الشخصية: إن أمتعك تركيبُ شخصيةٍ من شهادات متناقضة (المواطن كين!) — فهذه النسخة العربية الأعمق: اللغز فيها وطنٌ كامل.
🔍 ليه الكتاب ده يستاهل
1) الشريط الافتتاحي — أجرأ فصل أول في الرواية العربية
تفتتح الرواية بنصّ شريط وليد المسجَّل: عشرات الصفحات من تيار وعيٍ خالص بلا نقاط تقريباً — القدسُ وأجراسُها، وأبواه، ونساؤه، ودمُ مروان، والثلج والدم والجسد — تداعٍ محموم يربك القارئ عمداً قبل أن يمنحه أيّ خريطة. جبرا يفعل هنا ما فعله معلّمه فوكنر في فصل بنجي: يرمي بك في العقل قبل الحكاية — لكن بفارقٍ جوهري: هذيانُ وليد ليس عتهاً بل فائضَ ذاكرةٍ فلسطينية لا تجد شكلاً يحملها. اقرأ الشريط مرّتين: قبل الرواية وبعدها — وستكتشف أنّ كلّ ألغاز الشهادات كانت مجابةً فيه من البداية، بلغةِ من لا يستطيع البوح إلا مشفَّراً.
2) البوليفونية كقضية — الشكل هو المعنى
تعدّد الأصوات عند جبرا ليس براعةً مستوردة بل ضرورة موضوعه: الفلسطينيّ بعد النكبة صار «مروياً» — تتقاذفه سردياتُ الآخرين (الأنظمة، الإعلام، الأصدقاء المتعاطفون أنفسهم) ولا يُترك له ميكروفون. فبنى جبرا روايته محاكاةً ساخرة لهذا الوضع: عشرةُ رواةٍ «يملكون» وليداً، وصاحبُ السيرة غائب — حاضرٌ فقط في شريطٍ مبتور يتصدّر الكتاب كوصيةٍ لم تُقرأ جيداً. وكلّ شاهد يفضح نفسَه وهو يشهد: حسدَه، رغبتَه، ذنبَه. حين تنهي الرواية تدرك أنّك لم تعرف وليداً — عرفتَ بغدادَ السبعينات كلّها وقد تعرّت أمام مرآةٍ اسمها فلسطيني.
3) بغداد-القدس — رواية المنفى المزدوج
الرواية وثيقة مدينتين: القدسُ المستعادة في الذاكرة (طفولة وليد في أزقّتها ودير أبيه — من أجمل صفحات جبرا وأقربها لسيرته في «البئر الأولى»)، وبغدادُ السبعينات المزدهرة القلقة — صالوناتها ومثقفوها ونفطُها وظلُّ سلطتها. وجبرا — الفلسطيني الذي صارت بغدادُ منفاه ووطنَه الثاني خمسين عاماً — يكتب المعادلة التي عاشها: المنفيّ اللامع يُمنَح كلَّ شيءٍ إلا الشيء: تُفتَح له الأبواب ويبقى ضيفاً، ويزدهر ويبقى مؤجَّلاً. اختفاءُ وليد بهذا المعنى ليس نهايةً غامضة بل الجوابَ الوحيدَ المنطقيّ: من لا سيرةَ له بين الناس، يذهب ليكتبها حيث بدأ الفقد — أو هكذا يريد بعضُ الشهود أن يصدّقوا.
🚀 ابدأ من هنا
نصيحة للتنفيذ: لا تبدأ بالشريط الافتتاحي إن أرهقك — رخصة جبرا نفسها: اقفز إلى الفصل الثاني وعُد للشريط في النهاية (قراءةٌ ثانية له واجبة في الحالين). واحتفظ بقائمة الشهود وما يكشفه كلٌّ عن نفسه لا عن وليد. ثم اسأل نفسك سؤال الرواية: لو اختفيتُ اليوم واجتمع من يعرفونني — كم «أنا» سيخترعون؟ وأيّهم يشبهني... وأيّهم يشبههم هم؟
📖 لو عجبك، اقرأ كمان
- الصخب والعنف – وليام فوكنر (المعلّم الذي ترجمه جبرا: الغائبة كادي هناك، والغائب وليد هنا — قارن البناءين)
- المتشائل – إميل حبيبي (الفلسطيني الذي بقي، مقابل الفلسطيني الذي لمع في المنافي — وجها العملة الكاملان)
- موسم الهجرة إلى الشمال – الطيب صالح (غائبٌ غامض آخر يُركَّب من شهادات — ومثقفٌ عربيّ يحمل جرحه بين عالمين)





